حين نتابع الأخبار اليوم، ونتأمل ما يجري من حولنا، من حروب في ليبيا واليمن والسودان، إلى هشاشة دول الجوار الإفريقي، مرورًا بالصراع الروسي الأوكراني واحتمالات اتساعه نحو أوروبا، وصولًا إلى التوتر الدائم بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وما قد يشتعل في الشرق الأوسط في أي لحظة. سيسهل استنتاج أن العالم يسير على حافة خطيرة. وأننا «على بُعد سوء فهم واحد من الهاوية النووية» كما صرح بذالك الأمين العام للأمم المتحدة.
ماذا لو اندلعت حرب نووية بين القوى الكبرى ؟
قبل سنوات قليلة، كان هذا السؤال يُطرح على سبيل المبالغة أو الخيال السياسي. أمّا اليوم، وفي ظلّ ما يشهده العالم من توترات متسارعة، لم يعد طرحه ترفًا ذهنيًا. ما يزيد القلق أن قرار استخدام هذا السلاح المرعب، في دول كبرى مثل الولايات المتحدة أو روسيا أو كوريا الشمالية، قد يُحسم في دائرة ضيّقة للغاية، أحيانًا بإرادة فرد واحد. وحين نتأمل طبيعة هذا الواقع، يصبح السؤال أقل غرابة وأكثر إلحاحًا: إلى أي حد يمكن للعالم أن يعلّق مصيره على تقديرات إنسان واحد؟
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في لحظة الضغط على الزر، بل مابعد ذالك: الشتاء النووي. سماء محجوبة بالدخان لسنوات، زراعة منهارة، ومجاعة تقتل أضعاف ما قتلته القنابل. الدراسات تتحدث عن خمسة مليارات قتيل، معظمهم لن يموتوا بالإشعاع، بل بالجوع. العلماء يقولون إن المناطق الوحيدة التي قد تستمر فيها الزراعة هي تلك البعيدة عن مراكز الصراع، المعزولة جغرافيًا، وربما محظوظة بما يكفي لتنجو.
لكن ماذا عن بوادي موريتانيا؟
أعرف أن السؤال يبدو غريبًا. لكن فكّر معي قليلًا.
نحن نتحدث عن عالم ما بعد الكارثة. عالم انهارت فيه سلاسل الإمداد، وتوقفت فيه الكهرباء، وأصبح فيه كل ما اعتمدت عليه المدن الحديثة عبئًا لا ميزة. في هذا العالم، من الأقدر على البقاء: شخص في شقة بالطابق العشرين في مدينة مكتظة كنيويورك وصلها حديثا قادما من عدل بكْرو، أم صديق صباه الذي تركه هناك يهش على غنمه، ويستقي من "الحاسي" معتمداً على ساعده وحماره، في حياة لم ترتبط يوماً بزر التشغيل؟
بوادي موريتانيا ليست على خريطة أي استهداف نووي. لا قواعد عسكرية، لا مفاعلات، لا مدن ضخمة تستحق صاروخًا. اقتصادها معيشي لا يعتمد على واردات من الصين أو شحنات من أوروبا. الناس هناك يعرفون كيف يربّون الماشية، ويجدون الماء، ويتعاملون مع شح الموارد … لأن هذا ما فعلوه طوال حياتهم.
ما كنا نسميه "تخلفًا" قد يتحول فجأة إلى أثمن ما يملكه الإنسان.
لا أدعو أحدًا لترك حياته والانتقال إلى البادية غدًا. لكنني أقول: ربما آن الأوان لنعيد النظر في علاقتنا بالأرض التي جئنا منها. ربما الاستثمار في قطعة أرض بعيدة عن صخب المدن، في بئر ماء، في علاقة مع مجتمع يعرف معنى التكافل... ربما هذا ليس هروبًا من المستقبل، بل استعدادًا له.
في زمن الصواريخ العابرة للقارات، قد تكون الناقة أثمن من سيارة فارهة.
وقد يكون الوادي النائي الذي ظنناه منسيًا... هو آخر ما يتبقى.
