قبل سنتين، في الحلقة الأولى من بودكاست "ركائز تقنية"، اخترت أن أتحدث عن خطورة الهواتف الذكية على الصحة النفسية للطفل. كنت قد بدأت وقتها أقرأ في الموضوع، وكنت أرى الفرق الواضح بين ما يحدث هنا في الغربة وبين ما يحدث عندنا في موريتانيا. هنا نقاش جدي ومستمر، وقوانين تُسنّ وتُطبَّق. أكثر من خمس وثلاثين ولاية أمريكية أصدرت تشريعات لمنع الهواتف في المدارس أو تقييدها. كاليفورنيا أقرّت قانون "المدارس الخالية من الهواتف"، ولويزيانا منعت حتى حيازة الهاتف طوال اليوم الدراسي، ومدينة نيويورك ستطبق حظراً شاملاً بداية من العام المقبل. واستطلاعات الرأي تقول إن ثلثي الأمريكيين يؤيدون هذا التوجه. حتى منظمة اليونسكو أوصت بتقييد استخدام الهواتف في المدارس حول العالم.وفي موريتانيا، أطفال في السابعة يحملون هواتف ذكية ولا أحد يرى في ذلك مشكلة!!
جيرون لانيي، عالم الكمبيوتر الذي ساهم في اختراع الواقع الافتراضي، لا يرى في الهاتف الذكي مجرد جهاز، يسميه "خوارزمية التعديل السلوكي". يقول إن هذه الأجهزة صُممت من الأساس لتغيّر سلوك من يستخدمها. الشركات تجمع كل نقرة وكل تمريرة، ثم تعيد تصميم التطبيقات لتجعل المستخدم يعود مرة بعد مرة. كل إعجاب يصل إليك هو في الحقيقة جرعة دوبامين محسوبة بدقة. نحن الكبار نجد صعوبة في مقاومة هذا. فما بالك بطفل دماغه لم يكتمل بعد!!
الباحث كال نيوبورت تتبّع هذه المسألة لسنوات، ويقول إن سنة 2012 كانت لحظة فارقة. في تلك السنة تجاوزت ملكية الهواتف الذكية نسبة النصف في المجتمعات الغربية، وفي تلك السنة بالذات بدأت أرقام القلق والاكتئاب بين المراهقين تقفز بشكل لم يُرَ منذ عقود وسجلات المستشفيات تؤكد ذلك وتشهد عليه. اليوم يتفق أكثر من مئة وعشرين باحثاً من تخصصات مختلفة على وجود علاقة حقيقية بين هذه الأجهزة وتدهور الصحة النفسية للمراهقين.
لكن الضرر لا يأتي فقط من المحتوى السيئ. نيوبورت مثلا يشير إلى شيء أعمق يسميه "التسالي الاجتماعية"... الطفل يقضي ساعات يرسل رسائل ويتابع قصصاً ويضع إعجابات، ويظن أنه يتواصل مع أناس حقيقيين. لكن الدماغ لا ينخدع.. الدماغ يحتاج وجهاً وصوتاً وحضوراً حقيقياً والرسائل وحدها لا تكفيه. ولهذا يخرج الطفل من ساعات طويلة أمام الشاشة وهو يشعر بوحدة غريبة لا يستطيع تفسيرها. ثم هناك ما يسميه "الحرمان من العزلة".. المراهق يحتاج أوقاتاً يجلس فيها مع نفسه، يفكر ويتأمل ويكتشف من هو. الهاتف يسرق منه هذه اللحظات، فكل صمت يُقطع بإشعار، وكل فراغ يُملأ بفيديو قصير.
في موريتانيا الوضع أصعب.. شركة مثل فيسبوك لا تملك من يفهم الحسانية أو يميّز سياقاتنا المحلية، فيمر المحتوى الضار دون رقابة حقيقية. يُضاف إلى ذلك هشاشة البنية المؤسسية المعنية بحماية الطفل، وغياب أي إطار قانوني أو مجتمعي جاد للتعامل مع هذا الخطر. أما الحديث عن مساءلة شركات التكنولوجيا العملاقة أو الضغط عليها، فهو أقرب إلى ترف فكري قد نُلام لمجرد التفكير فيه. ما يتبقى هو الأسرة وحدها، الأب والأم، في مواجهة آلة صممتها أذكى العقول في وادي السيليكون لتستحوذ على انتباه أطفالنا.
نيوبورت يقترح حلاً واضحاً… لا هاتف ذكي قبل السادسة عشرة. إن احتاج الطفل للتواصل فهاتف بسيط للمكالمات يكفي، وإن أراد استخدام الإنترنت فليكن ذلك أمام الجميع في الصالة لا خلف باب مغلق. يبدو هذا صعباً في زمن يملك فيه كل أصدقاء الطفل هواتف، لكن الأصعب حقاً هو التعامل لاحقاً مع ما تفعله هذه الأجهزة بعقل لم يكتمل.
ما يقلقني ليس وجود الخطر، فالدراسات العلمية حسمت هذه النقطة بوضوح. ما يقلقني حقاً أننا، في موريتانيا، نتصرف وكأن هذا الخطر غير موجود أصلاً !!
